محمد بن عمر التونسي

116

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

ظلمك ؟ قال : ظلمني باسى خبير . وكان باسى خبير من أقاربه . فقال : وما أخذ منك ؟ قال : أخذ منى خمس نياق . فوقف مكانه ، ودعا بباسى خبير وسأله ، فاعترف . فأمر أن يدفع له عشر « 1 » نياق ، خمسا حقّه ، وخمسا تأديبا ( 109 ) له . فدفعها ، وذهب الأعرابيّان ، وهما في غاية الغبطة والسرور . وفي أيامه تلك نصّب محمد كرّا في منصب الأب الشيخ ، وهو أجلّ المناصب هناك . صاحبه مطلوق السّيف ، له دولة كدولة السلطان ، وشارات كشاراته . ومن عادة هذا المنصب [ أنه ] لا يتولّاه إلا خصىّ ، لأنه يخشى من غير الخصىّ ، إذا تولّاه ، وقويت شكيمته ، أن يصادر السلطان ، ويطلب الملك لنفسه وبعد تولية الأب الشيخ محمد كرّا ، وجّهه إلى البلاد ، فنزل في أبى الجدول ، وسلك طريق العدل في العالم ، وضبط الأمور ، حتى أنه قتل أناسا كثيرين ، لما وقع منهم من الظّلم . ولمّا ظهر عدل السلطان ، وحبّه للعلماء وأهل الفضل والأشراف ، وفد عليه الأشراف والعلماء من جهات عديدة ، فكان أول وافد عليه والدي ، عليه سحائب الرحمة والرضوان . وكان حين قدومه إلى دارفور ، نزل بكوبيه على الفقيه حسن ودعووضة . وبلغ أهل كوبيه أنه جاءهم رجل عالم من تونس ، فاجتمع عليه أكابرهم ، كالفقيه محمد كريتيم ، والشريف سرور بن أبي الجود ، وعبد الكريم ابن الفقيه حسن ودعووضة ، وأضرابهم . وطلبوا منه قراءة مختصر الشّيخ خليل ، فقرأ لهم منه ربع العبادات . ووصل خبره إلى الفقيه مالك الفوتاوى ، فأعلم به السلطان ، فأرسل إليه ، فذهب له فأكرمه ، ( 110 ) وأعطاه عدّة جواري ، وأمره أن يكون عند الفقيه نور الأنصاري ، زوج ابنته الميرم « 2 » حوّاء .

--> ( 1 ) في الأصل : عشرة . ( 2 ) الميرم : لقب يطلق على كل بنت من بنات السلطان في دارفور ومعناه : الأميرة ، وهو مأخوذ عن مملكة برنو . Balfour - Paul ( H . G . ) History and Antiquities of Darfur p . I 9 , SNR , XXXIII , Part I . pp . I 29 - I 30 , Browne : Travels , p . 296 .